ابن أبي حاتم الرازي
110
كتاب العلل
من الحديثِ أنْ يروي الثقةُ مِنَ الحديثِ ما لا يروي غيره ، إنما الشَّاذُّ أن يروي الثقةُ حديثًا يخالفُ الناسَ ، وكذا قال أبو بَكْرٍ الأثرمُ . وحكى أبو يَعْلَى الخَلِيلي ( 1 ) هذا القولَ عن الشافعيِّ وجماعةٍ من أهلِ الحجاز ، ثم قال : الذي عليه حُفَّاظُ الحديث : أنَّ الشاذَّ ما ليس له إلا إسنادٌ واحد ، يَشِذُّ بذلك شيخٌ ؛ ثقةً كان أو غَيْرَ ثقة ، فما كان عن غَيْرِ ثقة فمتروكٌ لا يُقْبَلُ ، وما كان عن ثقة ، يُتَوَقَّفُ فيه ، ولا يُحْتَجُّ به . وكذلك ذكَرَ الحاكمُ : أنَّ الشَّاذَّ هو الحديثُ الذي ينفردُ به ثقةٌ من الثقات ، وليس له أصلٌ متابِعٌ لذلك الثقةِ ، ولم يُوقَفْ له على عِلَّة . ولكنَّ كلامَ الخَلِيلي : في تفرُّد الشيوخِ ، والشيوخُ في اصطلاحِ أهل هذا العلم : عبارةٌ عمَّن دون الأئمَّةِ والحفاظ ، وقد يكونُ فيهم الثقةُ وغيره ، فأمَّا ما انفرَدَ به الأئمَّةُ والحفاظُ فقد سمَّاه الخليلي : فَرْدًا ، وذكَرَ أنَّ أفرادَ الحفاظِ المشهورين الثقاتِ ، أو أفرادَ إمامٍ عن الحفاظ والأئمَّة صحيحٌ متفَقٌ عليه ، ومثَّله بحديثِ مالكٍ في المِغْفَرِ ( 2 ) . فتلخَّص مِنْ هذا : أنَّ النكارةَ لا تزولُ عند يحيى القَطَّانِ ، والإمامِ أحمد ، والبَرْدِيجي ، وغَيْرِهِمْ من المتقدِّمين إلا بالمتابعةِ ، وكذلك الشذوذُ كما حكاه الحاكم .
--> ( 1 ) في " الإرشاد " ( 1 / 176 ) . ( 2 ) يعني : ما أخرجه البخاري في " صحيحه " ( 1846 ) ، ومسلم ( 1357 ) من طريق الإمام مالك ، عَنِ ابْن شِهَابٍ الزُّهْري ، عَنْ أنس ح : أنَّ النَّبِيَّ ( ص ) دخَلَ مَكَّةَ وعلى رأسه المِغْفَرُ .